سيد محمد طنطاوي

325

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( كَلَّا ) * هنا ، تكرير للردع والزجر السابق في قوله - تعالى - قبل ذلك : إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ، لبيان ما يقابل ذلك من أن كتاب الأبرار في عليين . ولفظ « عليين » جمع عليّ - بكسر العين وتشديد اللام المكسورة - من العلو . ويرى بعضهم أن هذا اللفظ مفرد ، وأنه اسم للديوان الذي تكتب فيه أعمال الأبرار . قال صاحب الكشاف : وكتاب الأبرار : ما كتب من أعمالهم . وعليون : علم لديوان الخير ، الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين . منقول من جمع « عليّ » بزنة فعّيل - بكسر الفاء والعين المشددة - من العلو ، كسجّين من السجن . سمى بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة ، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة . . تكريما له وتعظيما . . « 1 » . أي : حقا إن ما كتبته الملائكة من أعمال صالحة للأتقياء الأبرار ، لمثبت في ديوان الخير ، الكائن في أعلى مكان وأشرفه . وقوله - سبحانه - : * ( وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ) * تفخيم لشأن هذا الديوان ، وتنويه عظيم بشرفه . وقوله : * ( كِتابٌ مَرْقُومٌ ) * تفسير لما كتب لهؤلاء الأبرار من خير وبركة ، أي : كتاب الأبرار كتاب واضح بين ، يقرؤه أصحابه بسهولة ويسر ، فتنشرح صدورهم ، وتقر عيونهم . وقوله - تعالى - * ( يَشْهَدُه الْمُقَرَّبُونَ ) * صفة أخرى جيء بها على سبيل المدح لهذا المكتوب من الأعمال الصالحة لهؤلاء الأخيار . أي : كتاب الأبرار ، وصحائف أعمالهم ، في أسمى مكان وأعلاه ، وهو كتاب واضح بين ، يقرؤنه فيظهر البشر والسرور على وجوههم ، وهو فوق ذلك * ( يَشْهَدُه الْمُقَرَّبُونَ ) * أي : يطلع عليه الملائكة المقربون من اللَّه - تعالى - ، ليكون هذا الاطلاع شهادة لهؤلاء الأبرار ، بأنهم محل رضا اللَّه - تعالى - وتكريمه وثوابه . ثم بين - سبحانه - حالهم في الجنة ، بعد بيان ما اشتمل عليه كتابهم من خير وبر فقال - تعالى - : * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ) * أي : لفي نعيم دائم ، لا يحول ولا يزول . * ( عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ) * والأرائك : جمع أريكة - بزنة سفينة - وهي اسم للسرير

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 722 .